الشيخ محمد رشيد رضا

370

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فالجواب اننا وان كنا لا نعرف لهذه الأناجيل أسانيد صحيحة متصلة وقد أمرنا أن لا نصدق أهل الكتاب ولا نكذبهم فيما لا حجة له أو عليه في كتابنا - وان كان شيخا الاسلام من أجل الثقات عندنا فيما يرويان عن أنفسهما وعن غيرهما بالجزم - فإننا نقول : ان وقائع الأحوال في هذا المقام فيها اجمال ، هي به قابلة لأنواع شتى من الاحتمال ، على أن ما يؤخذ منها على ظاهره لا حجة فيه على شئ من أعمال الدجالين التي ينكرها الشرع والعقل ، وأين دجل هؤلاء الفساق المحتالين من معجزة أو كرامة يكرم اللّه بها نبيا مرسلا أو وليا صالحا فيشفي على يديه مصروعا ألم به الشيطان أم لم يلم ، وما إلمام الشيطان ببعض الناس بالمحال عقلا حتى نحار في فهم أمثال هذه الروايات النادرة عند أهل الكتاب وعندنا بل عند جميع الأمم ، وان بعض الأمراض العصبية التي يصرع أصحابها لابسهم الشيطان فيها أم لا لتشفى بتأثير الاعتقاد وبتأثير إرادة الأرواح القوية إذا توجهت إلى اللّه تعالى سائلة شفاءها ، وما نحن بالذين يدارون الماديين أو يبالون بانكارهم لكل ما لا يثبته الحس لهم ، بل نرى ان جملة ما روي عن الأنبياء والعلماء وما اشتهر عند كل الأمم يفيد في مجموعه التواتر المعنوي في اثبات أصل لهذه المسألة . وما لنا لا نذكر انه قد وقع لنا من ذلك ما يعده كثير من الناس أمرا عظيما ويستبعدون أن يكون من فلتات الاتفاق ونوادر المصادفات ، : من ذلك أنه كان في بلدنا ( القلمون ) في سورية رجل صياد اسمه ( عمر كسن ) رمى شبكته ليلة في البحر فسمح صوتا غير مألوف فما لبث بعد ذلك ان صار يصرع ، ويخيل اليه هجوم فئة من الجن عليه يضربونه متهمين إياه بإصابة فتاة منهم ، ورآني وهو غائب عن الحس بالهيئة التي كنت أخلو فيها للعبادة وذكر اللّه في حجرة خاصة وبيدي مخصرة قصيرة من الأبنوس كنت أعتمد عليها - ولم يكن رأى ذلك قط - رآني أطرد الجن عنه بهذه المخصرة ، وكان أهله قد ذكروا لي أمره ، ثم دعوني إلى رؤيته ورقيته والدعاء له ، فذهبت فألفيته مغمى عليه لا يرى ولا يسمع ممن حوله شيئا ، ولكنه كان يقول : جاء سيدنا الشيخ رشيد . . . ولما رأيته على هذه الحالة توجهت إلى اللّه تعالى باخلاص وخشوع ووضعت يدي على رأسه وقلت : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ففتح عينيه وقام كأنما نشط من عقال ، ثم عاد اليه هذا بعد زمن طويل لا أذكره وشفاه اللّه تعالى وأذهب عنه الروع ثانية بنحو مما أذهبه عنه في المرة الأولى ، ولكنني